إخوان الصفاء

264

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ويوم في وسطه ، ويوم في آخره . فأما اليوم الأول من الشهر فيجب له أن يتطهر أنظف طهور ، ويتبخر بأطيب ما يقدر عليه من البخور ، ولا يفرط في طهارته وصلواته المفروضة عليه في شريعة الناموس ، فإذا انقلب من محراب صلاة العشاء الآخرة جلس يسبّح اللّه ويقدسه ويهلّله ويكبره إلى أن يمضي من الليل الثلث الأول . ثم يقوم ويجدد الوضوء ويسبغ الطهارة ليكون طهور على طهور ونور على نور ، ويبرز من بيته إلى أن يحصل تحت السماء بحذاء الجدي وهو النجم الذي يهتدى به ، قال اللّه تعالى : « وعلامات وبالنجم هم يهتدون » ، فيتأمل الكتاب المبين ويتدبر آياته ويرى الملكوت دائما وهو يسبّح اللّه ويقدسه ولا يدع التكبير والتهليل ، ليكون من الذين قال اللّه تعالى فيهم : « الذين يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض » الآية . ولا يزال كذلك حتى يذهب من الليل الثلثان فيكون الثلث الأول قياما بعبادة الناموس ، والثلث الثاني قياما في التفكر في الملكوت . فإذا زال أوان الثلث الأوسط هبط إلى الأرض ساجدا بتذلل وخضوع لباريه ، فلا يزال كذلك ما قدر عليه ، ثم يرفع رأسه ببكاء واستغفار وتوبة واستعبار ، فيعدد ذنوبه على نفسه ، وينوي التوجه بحسناته وصالح أعماله ، ويدعو بالدعاء الأفلاطوني ، والتوسّل الإدريسي ، والمناجاة الأرسطاطاليسية المذكورة في كتبهم ؛ فلا يزال كذلك حتى يبدو الفجر فيقوم فيسبغ الوضوء ويتطهر ، فيرجع إلى محرابه فيصلي صلاة الفجر ، ويجلس في مكانه إلى أن تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس وأقبل أول النهار ذبح بيده إن كان ممن قد اعتاد ذلك ما قدر عليه من محلّل الحيوان ، ويأمر بإصلاح ما كان من الطعام ، ويأذن لأهله وإخوانه بالدخول عليه والوصول إليه ، ويحضر ذلك بين أيديهم . فإذا فرغوا من طعامهم حمدوا اللّه ، جل وعز اسمه ، وشكروه وخرّوا له سجّدا شكرا له بما منّ عليهم ، ثم يخرج إليهم من الحكمة بحسب ما يوجبه